السيد محمد تقي المدرسي
75
من هدى القرآن
إن هلاك الأمم وبصورة متعاقبة لا يمكن أن يكون أمرا اعتياديًّا ، وهذا ما يتضح عند دراسة تاريخ القرى التي دمرت والحضارات التي بادت ، فإننا لا شك سنجد سببا لهذه العاقبة وهو الفساد الواقع الذي أفقدها مبرر الحياة ، حيث تمردت على النظم الإلهية ، كما قال الله : « عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ » والعتو : هو المبالغة في العصيان والانحراف والتحدي ، أما الأمر فهو النهج والسبيل المتمثل في الشرائع والحدود الإلهية ، كما قال تعالى بعد أن عدد مجموعة من الأحكام والحدود في الآيات : ( 1 - 4 ) : « ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ » [ الطلاق : 5 ] ، ولكنالله سماها كلها أمرا بصفة الإفراد ربما ليؤكد لنا بأنها لا تقبل التجزئة أبدا ، فمن يعص الله أو الرسول ولو في أمر واحد فإنه يعتبر عاصيا لهما ، كما لا يسمى مطيعا وملتزما إلا من يسلِّم لكل ما يصدر عنهما ويعمل به . وقد أضاف إلى أمره « وَرُسُلِهِ » لأن الطاعة للقيادة الرسالية من أعظم وأجلى أوامر الله ، لأن أمر الله هو القيم التشريعية كالأحكام والنظم والقوانين الصادرة عن الله مباشرة والمذكورة في رسالته التي أنزلها للناس ، في حين أن أمر الرسول صلى الله عليه وآله هو الجانب العملي والسياسي من أمر الله المتجسد في النظام السياسي والديني الذي يقوده صلى الله عليه وآله ومن يمثله بحق ، فلا يصح إذن أن يزعم المسلم أنه يكتفي بالقرآن في حياته ، بل لا بد له من البحث عن القيادة الإلهية لكي ينتمي إلى خطها ويجند نفسه تحت لوائها فلا يعتو عن أمر من أوامرها أبدا ، فإن في ذلك الخسران وبئس العاقبة . إن الهدف من الخلق والوجود هو عبادة الله : « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » [ الذاريات : 56 ] ، فإذالم يحرز المجتمع هذا الهدف لم يبق مبرر لوجوده ، وإن قيمة الإنسان يستمدها من مدى تجسيده للحق وطاعته لربه ، فإذا تمحض في الشر والعصيان لم تبق له قيمة عند الله ، ولا عجب حينئذ أن ترى في التاريخ تلك القرى التي دمرها الله لعتوها عن أمره . « فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً » إذن العذاب الذي حل بتلك القرى ليس بالصدفة ، وإنما هو نتيجة طبيعية لأعمالها السيئة التي تتكشف بالدراسة والمتابعة والتحليل لمسيرتها التي سبقت الهلاك ، فلكل فعل رد فعل ، ولكل معصية مردود سلبي على صاحبها ، فشرب الخمر يسبب مجموعة من الأمراض ، والربا يؤدي إلى الفساد الاقتصادي ، والزنا يعدم الأسرة ، ولكنك إذا جمعت بالحساب الدقيق انحرافات أمة من الأمم تعتو عن أمر ربها فستجد رد فعلها الخسران والدمار لا غير ، وهذا ما حل بتلك القرى من العذاب المنكر الذي لا يتصوره البشر . وما دامت حركة التاريخ في الأمم والأفراد قائمة على الحسابات الدقيقة فحري بالإنسان أن يدرس كل خطوة يقوم بها في الحياة ، وكل قرار يتخذه صغيرا وكبيرا ، في ضوء معادلة الربح